ابن بسام

298

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

بالكتاب المعرب عن جميع أدوات الفضل ومعانيه ، وبوارع الأدب [ 1 ] النبيل ومعاليه ، فأكرم به من واصل بالمعنى في موضع العتب ، ووافد بالحسنى على الإساءة بالذنب ، وأعجب بما حواه من رائع البلاغة وبارع العبارة ، ومستكرم الماتّة ، ومستغنم الإطالة . ولقد أخبر من أنباء السلامة في النفس المحروسة ما ضاعف المسرّة ، وضاعف الغبطة والحبرة ، وأشار فيما عداها إلى ما أسال العبرة ، وأشعر الحسرة ، وللّه تعالى في مثل ذلك ألطاف توضح عن حسن عواقب / التفويض ، وتقوم بإكرام الإنابة والتعويض . وقد استرهن عندي بمبتدإ التطوّل بالمكاتبة يدا ، اقتضى اعتدادي بها وشكري لها بما يبرهن عن توافقنا في الصفاء ، وتشاكلنا في الإخاء ، وسيّدي يطيع في ذلك بواعث كرمه ، ونوازع شيمه . فأجابه ابن المغربيّ برقعة قال فيها : ألقي إليّ كتاب كريم يكتفي شرف الهمة بخيال عنوانه ، ولا يبلغ بشقّ النفس شكر ظاهره فضلا عما في طيّ جنانه ، ففضضت عن الرّوض العازب ، والتقطت منه فرائد الكواعب ، ووجدت فيه نسيم الشباب ، وتعلّلت به في عطف الأيام [ 142 ] السالفة العذاب ، ووجدته قد احتوى من عقائل الفصاحة وكرائم البلاغة على ما يعدي المعجم العييّ فينطق متخيّرا ، وينشده الناطق البليغ فيبلس متحيّرا ، وظننت أنّ العشّاق لو أعيروا من ألفاظه مزاجا للمراشف ، ووهبوا من أنفاسه عطرا للسوالف ، لصالوا بحجج تجلّ عن تسمية المعاذير ، وتصبغ الخطأ بلمع الصواب المنير ، ولو أنهم جعلوه رميّ سهمة الفراق لكفّت عواديها ، وأخذة لأعين الرقباء لطفرت [ من ] مآقيها ، ولو أن الحمام أصغت إليه لعاد نوحها شدوا ، ولو أنّ الليالي تتدثّر [ 2 ] به لصار دجاها غدوا ، وعجبت مما حمل على منّتي الضعيفة من منن كنت قبلها نضو العزيمة فكيف [ أنهض ] بها ، ومن مبارّ يكاد يمنعني فادح أثقالها أن أستار مرفقها ، فلو أنّ ذلك الكتاب الجليل صدر إليّ من عدوّي لاهتززت ببدائع ما فيه ، ولو أنه تاه عن إنعام عليّ لغالطتني عذوبة لفظه عن مرارة معانيه ، فكيف وقد جاءني عن الأيام عتبى ، وجعل قلبي لخواطر الجذل نهبا ، ولست ألمّ بشكره عن هذه العاطفة الكريمة فأوهم أنها مما تتناوله أفكاري الجليلة ، ولا أتعرّض لحمدها فأحبط أجري في الاعتراف بالتقصير عن مواهبها الجزيلة ، ولكن أوفّيها ، ما وجب من إظهار العجز فيها .

--> [ 1 ] ص : وفوارع الأدب . [ 2 ] ص : تتدهما ، وعليها علامة خطأ .